محمد أبو زهرة
615
زهرة التفاسير
محظورات الحج ، كلبس المخيط والحلق من غير رخصته ، والصيد ، وغير ذلك مما حظر الله سبحانه . والجدال هو المماراة . وقد فسر بعض العلماء الرفث بأنه النطق بالفحش مما يكون بين الرجل والمرأة وغيره ؛ والفسوق بالسباب ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر » « 1 » . والجدال : المماراة والمنازعة . وعندي أن مرمى القول الكريم هو النهى عن كل قول يجعل اللسان غير نزه ، وكل قول يؤدى إلى النزاع ، والجدال يؤدى إلى الخصام ؛ لأنهم اجتمعوا على مائدة الرحمن الروحية ليتعارفوا ، وليتلاقوا ، وليقوى اتحادهم ، ويعتزوا بعزة الله ، فيجب اجتناب كل ما يؤدى إلى النزاع والخصام . وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وإذا كنتم قد تنزهتم في حجكم عن كل شر فاعلموا أنكم اجتمعتم لعمل الخير ، فتنافسوا فيه ، وتبادلوا النفع ، وليتعرف الشرقي حال الغربى ، واعملوا على ما يقوى جمعكم ، ويزيل الضر عنكم ، ويدفع عنكم كيد الكائدين ؛ فإن الحج الذي يزكى نفوسكم لا يثمر ثمرته ، ولا ينته إلى غايته ، إلا إذا اعتبرتموه المؤتمر الأكبر لدولتكم ، والمجتمع الأعظم لممثلى أمتكم ؛ وإن الوادي المقدس هو ناديكم الذي اجتمعتم فيه ؛ واعلموا أن خيركم محسوب لكم وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ سبحانه ، فيعرف المحسن والمسىء ، وحسب المحسن فضلا أن يعرف الله فضله ، وأن يكون عنده من الأخيار الأبرار ، وأن يكون عمله مقدورا من ربه ، مذكورا عنده ؛ ثم إنه يجازى الإحسان إحسانا ، وما عنده خير وأبقى . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ التزود هنا معنوي نفسي ، لا مادي مالي ؛ فالتزود : الإكثار من التقوى ، وتهذيب النفس ، وإشعار المؤمن بمودة المؤمن ، وتوثيق العلاقة به ، والتحاب على مائدة الرحمن ، وتحت سلطان الديان . والدليل على أن الزاد معنوي لا مادي قوله سبحانه من بعد معللا
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - البخاري : الإيمان - خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ( 46 ) ومسلم : الإيمان - سباب المسلم ( 97 ) ] .